طه عبد الرحمن
27
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
حين تعدّ عندنا سببا يدعونا إلى تعظيم حاجتها إلى أخلاق الدين لحصول الانتفاع بهذه الحداثة ؛ فجعلنا مدار كتابنا على مقدمة وضحنا فيها كيف أن الأخلاقية ترجح العقلانية في الاختصاص بالإنسان ، وعلى ثمانية فصول ، تناولنا في الفصل الأول منها بمزيد التحليل الأشكال الأساسية التي اتخذتها الصلة بين الأخلاق والدين في الفلسفة الغربية ، وتناولنا في الفصول الخمسة الموالية خمسة مظاهر للحداثة ، وهي على التوالي : " العقلانية المجرّدة " و " سلطان القول " و " نمط المعرفة " و " النظام التقني " و " تجدّد الهوية المنتظر " ، مع بيان كيف أن كل مظهر منها يتطلب ، في تصحيح أخطائه وتسديد خطواته ، الرجوع ، لا إلى أخلاق علمية وعلمانية من جنس الحداثة نفسها كما يظن أهلها ، وإنما إلى أخلاق دينية صريحة ؛ ولما كان الدين الذي تعبّدنا به وتربّينا فيه هو الإسلام ، فلا بدع أن تكون الأخلاق التي نستند إليها في انتقادنا للحداثة هي أخلاق هذا الدين الإلهي الخاتم ، وليست سواها ؛ ويحق لغيرنا كل الحق أن يبني نقده على دينه المختار أو أن ينقل ما قلناه بصدد أخلاق الإسلام إلى أخلاق دينه متى رأى وجاهته أو مناسبته ؛ ثم إننا أفردنا الفصل السابع لتوضيح كيف أن الحاجة المتجددة إلى أخلاق الدين تدعونا إلى تخليص دعوة " الرجوع إلى الإسلام " من أنواع المحاصرة التي تلاقيها من خارجها وداخلها كما خصصنا الفصل الثامن للإجابة على أسئلة مخصوصة تدور على تجديد الفكر الديني الإسلامي ، شروطا وظروفا ؛ ولم نكتف بهذه الفصول التي تدرّجنا فيها من واقع الآفات الخلقية للحداثة إلى واجب الرجوع إلى أخلاق الدين ، بل أبينا إلا أن نضيف إليها ضميمة خصصناها لإثبات حقيقة تاريخية منسية ، وهي أن هذه الدعوة إلى تجديد الأخلاق ليس غريبة عن تاريخ المغرب ولا عن موهبة المغاربة ؛ فقد ثبت بما لا يدع للشك مجالا أن بلاد المغرب أمدّت ، طيلة قرون متتالية ، أقطار العالم الإسلامي الأخرى بأخلاقيين كبار ساهموا في إحياء أخلاق المسلمين . واللّه نسأل أن ينفع بهذا العمل كاتبه وقارئه ويجعله خالصا لوجهه الكريم كما نسأله أن يوفقنا جميعا إلى الخير وأن يهدينا إلى سواء السبيل ، إنه سميع مجيب . الرباط ، 1 يوليوز 2000 طه عبد الرحمن